محمد جمال الدين القاسمي

286

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الفائدة الثالثة - إذا كان التحسين العقليّ مع بعض السمع فهو المحكم ، والمتشابه مخالفه ، لما وضح من تأويل الخضر بموافقة العقل ، وفي مخالفة هذه القاعدة عناد بيّن وضلال كبير ، فاعرفها واعتبر مواضعها ترشد . إن شاء اللّه تعالى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 8 ] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا من مقال الراسخين ، أي لا تمل قلوبنا عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه ، ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً تثبت بها قلوبنا إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ كثير النعم والإفضال ، جزيل العطايا والنوال . وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى . وعن عائشة رضي اللّه عنها « 1 » قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كثيرا ما يدعو : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، قلت : يا رسول اللّه ! ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء ! فقال : ليس من قلب إلّا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه - وهو في الصحيح والسنن . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 9 ] رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ وهذا من تتمة كلام الراسخين في العلم ، وذلك لأنهم لما طلبوا من اللّه تعالى أن يصونهم عن الزيغ ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة ، فكأنهم قالوا : ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا ، فإنها منقضية منقرضة . وإنما الغرض الأعظم منه ، ما يتعلق بالأخرة ،

--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : الدعوات ، 89 - باب حدثنا أبو موسى الأنصاريّ ونصه : عن شهر بن حوشب قال : قلت لأم سلمة ، أم المؤمنين : ما كان أكثر دعاء رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم إذا كان عندك ؟ قالت : كان أكثر دعائه « يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك » قالت : قلت يا رسول الله ! ما أكثر دعاءك : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ! قال « يا أم سلمة ! ليس آدميّ إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله . فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ » فتلا معاذ ( أحد رجال السند ) : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا .